محمود محمود الغراب

111

الحب والمحبة الإلهية من كلام الشيخ الأكبر

تلك القوة الجوارح إلى التصرف في الفضول ، الذي حجّر عليهم التصرف فيه محبوبهم ، فتركوا الطعام والشراب إلا قدر ما تمس الحاجة إليه من ذلك ، فقلّت الرطوبة في أجسامهم ، فزالت عنهم نضرة النعيم ، وذبلت شفاهم واسترخت أبدانهم ، وراح نومهم وتقوى سهرهم ، فنالوا مقصودهم من القيام بين يديه ، ووجدوا المعونة على ذلك بما تركوه ، فذلك هو ذبول أجسامهم ؛ وأما ذبول أرواحهم ، فإن لهم نعيما بالمعارف والعلوم ، لأن لهم نسبة إلى أرواح الملأ الأعلى ، ليأنسوا بالجنس ورغبة في المعاونة ، لما سمعوا اللّه يقول : وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى فتخيلوا أنهم المخاطبون بذلك ، وليس الأمر كذلك ، فإن الذين خوطبوا بذلك ، هم الذين يليق بهم أن يتعاونوا على الإثم والعدوان ، ولذلك أردف النهى فقال : وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وهذا ليس من صفات الملأ الأعلى ، فلما عرفوا غلطهم في ذلك ، عدلوا عن هذه الآية إلى قوله : اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا أي احبسوا نفوسكم مع اللّه ، فلما فارقوا الجنس بهذه الآية ، ذبلت أرواحهم وقد كانت في نضرة النعيم بمجالسة الجنس ، لأنها تعلقت بمن ليس كمثله شيء ، فلم تعرف بينها وبينه مناسبة مثلية فتتعلق بها ، فقالت لها المعرفة باللّه : هو ما خاطبك سبحانه إلا بلسانك ولحنك ولغتك ، وما تواطأ عليه أهل ذلك اللسان الذين أنت منهم ، فارجعي إلى مفهوم ما خاطبك به ، فإنه لم يخرجه عن حقيقة مدلوله ، ولا تنال بجهلك النسبة إليه من ذلك ، فإن تلك الصفة التي خاطبك بها تطلبه بذاتها ، لأنه وصف نفسه بها ، ولا تكون صفاته إلا بمناسبة خاصة منا إليه ، فإذا تعلقت أنت بتلك الصفة ولزمتها ، بالضرورة تحصّلك عنده ، فتعلم عند ذلك صورة نسبتها إليه ، علم ذوق وتجل إلهي ، فيزيد ذبولك حتى تصير كالنقطة المتوهمة ، كما قال بعضهم : أصبحت فيك من الضنا * كالنقطة المتوهمة وهي التي لا وجود لها إلا في الوهم ، فهذا نعتهم في الذبول ، وقد روينا في خبر مؤيد بكشف ، أن إسرافيل - وهو من أرفع الأرواح العلوية - يتضاءل في نفسه كل يوم لاستيلاء عظمة اللّه على قلبه سبعين مرة حتى يصير كالوضع ، كما يحشر المتكبرون في نفوسهم على عباد اللّه يوم القيامة كأمثال الذر ، ذلة وصغارا ، فهذا نعت ذبولهم في أرواحهم وأجسامهم . ( ف ح 2 / 339 )